ثيسوراف


الأربعاء,آب 27, 2008


النفس غير المطمئنة

 

جسدها منطفيء. منطفيء جسدها. صخرة هامدة تتدحرج على فتنة من حصير، وهي على العكس نار موقدة تتقاذفها أمواج لا مرئية قارسة. البيت بدوره منطفيء إلا من دموع شمعة تظلل أفقه الخاثر، وتفتح كوة صغيرة على طاولة ميتة، وكتب معجونة وأحزان طليقة تداعب خيوط الدخان الهرم الذي يسافر في خلايا الجسد، ومرآة الحائط المهشم التي تجادلها. الليلة في الحقيقة داكنة، وداخلها قاتم، والبيت في خاتمة المطاف، يشدها في خليجها هدوء غريب، وتملأها عزلة خضراء تنهش منها الأضلاع، وتهلل لانتجاع الليل، وقيام ساعة الشمعة الوحيدة التي تتخللها، وتتوحد معها في وحشة مهجورة.

 

لليلة الثالثة تنام النفس غير المطمئنة وتفيق على الطوى، تقلب أشتاتها في فراغ رهيب يملأها بأشواط غريبة. قبلها كانت قد مسحت أكوام البيت من بقايا الخبز اليابس وشظايا البصل الجريح، وأعقاب الطماطم التافهة، التهمت الطيب والخبيث، وأتت على كل صالح لعادة الأكل. قلة النفس أو كثرتها، أو هو الحياء أو الرياء يعوقها أن تتدرج إلى جارتها وتبثها الرغبة في عتق الروح، لذلك قررت المقاومة فأربعون يوما، على الأقل، يستطيع المرء أن يحياها دون

   المزيد ...


الأحد,آب 24, 2008


فصول المودة القديمة

 

مساء ذلك العام،كان الأفق داكنا، كالقلوب المفجوعة، تتعب في هواه السحب الراجفة التي تشد الوهاد والعتبات، وتتناثر على سطوح المدينة الخافقة، النائمة كبئر من الحرمان، يغزوها الصمت والحلم الأبيض، الأبيض المسافر في ردهة الأوان. مكسورا كان يتبدى الوجه القادم، القائم، ترقبه الشوارع وتلبس غرابته الدنيا. أطفال من الغابات يسرقون الذكريات، وتاريخ مهجور يسير وئيدا على حافة الدمع، والسماء قريبة من كرة الأرض، والصبابة العمياء تغلف وهم الغبار، حيث ترابط أحزان صغيرة ترسم موانيء العودة، وبثور الساعات الآكلة التي تمر كالحريق تلتهم شتات الطريق.

لا تمضي تلك السحابة.

المزيد ...


الأحد,تموز 27, 2008


حالة شبه خاصة
 
قالت لك ( ميمونة ):
هذه الأرض ربوة من تعب.
فاقترب قليلا،
قل لعقرب هذه الساعة أن يلدغني.
كي تكون أنت، سأجلس أنا في جب الصحراء.
 
لما قابلتك آخر مرة على قبة البيدر، والنهر الصغير في متنها، وبراد شاي يحتضنها، وأنت منسغب، غاضب إلا قليلا، تزاحمك الهوة بينك وبين ريح "الغربي" الذي رحل عن جبهتك. اشرأبت، فانتفض شهريار في برزخك، عانقت كتلة الطفل كقلعة " مكونة " وانهال الصيف في رحابك، تكلمت يداه، قدماه، وحدق في شيء
   المزيد ...


الجمعة,تموز 25, 2008


تكوين

 

كانت الصحراء تأكل امتدادها كالصمت، وكان الليل يسكن جلد النهار...

 قالت السماء ( رصاصها العاتي الساقط في قبر الذراعين): ما أقرب هذه الدار.كادت الجسور أن تموت من التعب، والتلال أن تهرب من مفاتن الريح. شربت هاتيك الأرض دمها الشاسع، الموحل كالبياض، واستلقى نهارها على طاولة الشفق السحيق...

قال الهواء: مازالت تنام في بداوتي أقراص المسافات، أيها الغيث المخنوق باللوعة، إني أراك تمتد لقاع الأسماء، الأسماء الشائكة كأسنان الكهف. فلا تؤاخذني.

   المزيد ...


الأربعاء,تموز 23, 2008


الولد " عديشان "
 
   (م. عديشان. تاريخ صغير من الذكريات الآسرة، خرج من صمت المدينة، لكل الدينة… منذ عام ـ فقط ـ كان يرسم طفولته البريئة في السنة الرابعة من الثانوي، وجاء انتقاله فجأة إلى السنوات الخمس سجنا نافذة أو بابا…. في جزيرته الصغيرة الآن بمدينة " إيفران " مازال يكتب عن الفرح القادم تتصاعد طفولته كالبور نحو سعة القضبان، ويملأ برجه العائد ارتقابا أو اقترابا… فإليه وإلى كل الأسماء معه..)
 
كانت سماء المدينة تغمرني، أقف على فاسوخها، وأغرس قدمي في جنون صغير يمتد عبر النافذة، يشتعل في مداها، ويتلألأ مثلما دمالج الصبايا في قاطبة النهار. لا مدينة. يحاذيني هزيع الحزن، كالصخر يراودني سيفه، وأنا أنحدر من هديل الفقر، أتوكأ على سلالة دفاتر عشيبة، تصلني بيني وبيني، أجلس في ظلها مرفوعا بحضرة الأطفال طائرا من الفرح المغتال على خرائب الأرباض…
ذلك الباب كان لبيتنا الدامي،
   المزيد ...


السبت,تموز 19, 2008


تلخيص جراح قديمة
 
مدينة غامضة تأكل أحداقها وتجلس في سفر قاحل يمتد من الخيط لرأسه، وتصرخ في مداه، تعانق الليالي الهاربة نحو الغروب، ولا تأتي من غيابها، وتنسج خطاها كالصبايا الغريرات يجرجرن أذيالهن في العراء.هكذا تبدو، ترتعشوتغرق أنيابها في الطريق الموحل، الداكن، القادم من سنين الانكشار...أكان لها صيفها، أم جاءها المخاض. لا شيء في العمق يذرو عنها غبار الصمت الدائم، أو يستنفر أغلالها، ويغلق أذيالها. هي، هكذا تحيا وتموت، وتشرب جرحها العريق...
 
قال الحائط القديم:
أيتها الفوضى الغامضة، السماء المخضوضرة، إني أترقب عهود الألغام. من برودة الصمت لبريته أخرج، أضع أثقالي على الصدر، وأستسلم لهذه
   المزيد ...


الأحد,تموز 13, 2008


العربة

 

في الصمت الحسير، تهبط الدمعة على جذوع الساحة القديمة، تزرع بردها في الأنفاس، وتقسو. ثمة عربة متآكلة تأكل طريقها، وتفرغ فراغها الحمولة في ساحة القلب. الدمعة لا ترسو، والعربة تتقدم في خوفها النابت في امتداد الشارع المسكون بظلال حروب لا مرئية صغيرة. ثمة رجل وامرأة أو كلاهما معا، يتبادلان فصول الأمن المرابط بينهما.

قالت المرأة ( لها ):

ـ من يفترسني ؟ يفطر على عشبي، ويمسح يديه على تكة الصدر...

   المزيد ...


الإثنين,تموز 07, 2008


سبعة ( رجال )

 

سبعة ( رجال ) هن.

آهات من طفولات راقدة على الرصيف ترحل بين الأمسيات، وتتدحرج على أقفال العودة..أطلال كسيحة، وهوادة لا رجعة فيها تتسلق هذا الحائط المنهار..الرحلة هكذا تبدأ وتنتهي: الغزو على القدم والساق، القتل الجميل، والليل الطويل، وفرحة هاربة تفرغ شحنتها على الصدور ولا تكون.. السكون المتفاقم لا يضاهي النهر، وثمة سحابة ظمأى تزحف ببطء، تملأ الأفق ارتعاشا، وجنون طليق يتواطأ مع المنافذ والأغصان، ويطرق الباب العتيق، وغرفة من اللهو تتشكل بانتظام. الزمن الشائك يزايل الأفق ويحترق، ينز متأرجحا، وتصدأ منه الأحيان بظلال الوحشة، واغتراب البعض في البعض، والسفينة المفترض أنها تزحف نحو الصباح، تتدحرج منذ أعوام بين مناكب الضياع،

   المزيد ...


الأربعاء,تموز 02, 2008


 بلاد

بلاد تسمى بلادي: خواء قديم،

وبعض متاع قليل،

وليل جديب،

وخوف عريق يطوق نبض البراري،

ويمضي طليقا.

أجيء إليها طريدا:

بكفي بهار ندي، ومملكة من عطور،

المزيد ...


الإثنين,حزيران 30, 2008


باب انقلاب الحال

 

أزعم أني صعدت ذلك الصباح، الصباح البارد كقلوبنا، باكرا إلى الحافلة الراقدة في حضن المدينة. المدينة كانت هادئة، وبردها كان القارس تأكل قساوته الوجوه الدكناء والأجساد المترامية التي كانت تتوغل في أنف الزحام، يرتطم البعض منها بالبعض، ويشتعل كلام سوقي يتصاعد لهيبه ويتلاشى في عز الفضاء. راودت التذكرة جواز الهروب، وجاءني الرقم مقعدي، صعدت السلم الصغير، وتبوأت مقعدي في تلك النار، وبدأت أتحسس هوامشي، أتهجى ثغرات برد خفيف، حاد كالمسامير يتسرب من الأرباض، ويغرق أغصاني في ارتعاشات عابرة..

   المزيد ...


الجمعة,حزيران 27, 2008


 
باب"عبس وتولى"
 
زعموا أنه ظهر في آخر الزمان في بلاد من بلاد الله الراكدة، دجال اسمه "عبس وتولى"، وأعلن في الملأ أنه سيد الثقلين، وبرزخ الأمان، وأمين الأسرار الإلهية، والحضرة المولوية الكبرى، الشاهد على هذا العصر الموبوء والمصطفى لإنقاذ أهل الوقت من مخالبه الفاجرة. رأس مستطيل كبطيخة مغربية، وأنف سافر كوحيد القرن، ووجه مكابر كالثور، تأكل مآقيه بداوة متوحشة، وتظلله لحية مسبلة كالتيوس الأطلسية، تنقش تضاريس القتل في شغاف القلب، وتتعهد المواجع الراسبة في تجاويفه. جثة من قش جوفاء كالأكياس البلدية، وشاشية يهودية على الرأس بيضاء تحجب سواد القلب بكل الأضلاع.. قيل إن أطرافه كانت من أظلاف، وقيل إن نصف جسده السفلي كان أقرب إلى البعير أو فرس البحر، وقيل أشبه بدابة آخر الساعة، وقيل العكس، كأنما هو من فصيلة الأغوال..
 
   المزيد ...


السبت,حزيران 21, 2008


باب التلقيح

 

زعموا أنه في قديم الزمان ، حدث أن انخسفت الأرض وأطلقت وشاحها، وارتجت منها الأعماق، انكسر منها الهواء، والمعدن والحجر، وهرب الموتى من ظلمة القبور، عادت الروح للانكباب تغري الأجساد، وانفلتت من سغب البعث والنشور واختلطت أظفار الموتى بالأحياء، والمراثي بالأمداح، والممالك بالممالك والصعاليك بالصعاليك، وانتشر خلق الله في حزون الأرض، وهم لا يلوون على شيء..

 

   المزيد ...


الأربعاء,حزيران 11, 2008


ساعة ألم مضافة للزمن المغربي

للزمن وقعه الخاص في الذاكرة الجمعية المغربية،وتتباين تجلياته في عمق تموج العلاقات والممارسات الاجتماعية،مثلما تختلف أدواره وأوضاعه تبعا لانعكاساتها أو تأثيراتها المحتملة،أحيانا يقترب من صيغة تتلبس بالتقدير والتبجيل وبمنطق الحرص على استثماره أو التعامل معه بصورة فعالة تجعله أجدى وذا طابع منتج، وأحيانا يتراءى وكأنه بدون قيمة أو سند وفاقد لكامل معناه، وأخرى يبدو وكأنه الينبوع الأبدي للشر ومصدر كل الرزايا والنكبات، والعدو الذي لا يقهر وصانع معاناة الفرد وانكساراته المرعبة.

وفي صلب هذه التصنيفات يمكن الوقوف على سيل من التمثلات الدالة  التي توظف في مجرى تقدير الزمن والتحريض على استغلاله بطريقة أفضل باعتباره سيد "الوضع" والقابض على جمر الدلالة العليا أو حاويا للحقيقة وحاضنا لها، ويأخذ المشهد هنا مظهرا للصراع مع الزمن أو مواجهته بهدف تشغيل فاعليته في حدود معينة

   المزيد ...


السبت,حزيران 07, 2008


ـ 1 ـ

"باب ذكر فضائل "الغولف""

 

زعموا أنه في غابر الأزمان، وفد حكيم على بلاد كان اسمها "المغرب" قديما. وكان قد انتهى إلى سمعه ما بلغته من رخاء وما حققته من أسباب التقدم وأخشاب الازدهار، فعزم وتوكل على أن ينعم بظلال تلك البلاد ويستزيد من فاكهة العرفان، ويتقرب من أعشاش الحلم... رحل الحكيم هو وفسحة من الأصحاب الأربعة أو الثلاثة كانوا’ اجتازوا البراري والبحار، والمفازات والوعور، وفي قسوة الطريق فقد الحكيم أصحابه، وحزن لذلك الحزن الكبير، وبكى بلل الفراق والضنى، ويكاد يعود الأدراج، ويسكب أمله في حوض الخيبة، ولكنه آخر اللحظة تماسك

   المزيد ...


الإثنين,حزيران 02, 2008


مثل الدجاجتين

 

 

زعموا أنه كان كانت في جزيرة من جزائر الله الواسعة تعيش دجاجتان، تنعمان بالأمن وأطياف الدعة، وفتائل الوداعة المعهودة في فصيلة الدجاج. كانت الجزيرة أفضل أرباع أرض الله الواطئة، فيها الشجر والماء والحجر، وطابت فيها مواسم العيش، تطلع فيها الشمس شروقا ولا تغيب، وتسرح فيها العين ولا تنوب، جنة الله على الأرض.

   المزيد ...


الخميس,أيار 29, 2008


 باب الفتنة

 

زعموا أنه حدث منذ زمن بعيد انقلاب ما في دائرة الوقت، فارتجت الساعات، وخرج الفقراء واهتاجت الأرض، أغلقت مواعدها، اشتاق العصف للعصف، والناب للناب، واحتدت الغابات كلوعة الصبايا، أو كالمدائن العارمة، أورقت التحايا كالعناقيد تمر من وهجها الليالي المصفحة تذيب عرصاتها، والتقت الأقدام بالأقدام، النعال بالنعال، اشتعلت مياه النار بالنار... قالت الخسارات للمسافات : هيت لك، والصهيل للغارات: تكلمي...

كان الرجال والنساء والنوق والأطفال والأنعام، ودوائر القتل تنشر صريرها، تفلت من غدوة العائدين القادمين، تأكل أوطارهم فوضى هادئة تمسح دموع الحقل، وتعتلي هوة السرير، الشامات

   المزيد ...


الأربعاء,أيار 21, 2008


باب "القران"
 
زعموا أنه منذ زمن بعيد، بعيد، تزوج رجل صالح اسمه " النظام" امرأة صالحة اسمها "الدولة"، واستبد بهما الهوى في الغدو والرواح، مات كل منهما في مرايا الآخر وفي بهجة الوفاء، واضطرمت أشواق الوجد الآكل ذمتهما، القائم على دعائم الأمن، نكهة كل الأزمنة والمدائن المغرورقة من فرط الألفة وعشق الولاء... وعاشا على ذلك زمانا طويلا..
 
وكان أن حملت المرأة الصالحة من الرجل الصالح، فوضعت أنثى. قالت الدولة: إني أسميتها "الحكومة".قال "النظام": الرأي ما رأيت. والحكم ما حكمت. لك الأمر قبل القبل، وبعد البعد.
 
ترعرعت "الحكومة" في فتنة والديها، ممشوقة بالدلال، لا تكاد ترفع صوتها بالإيماء حتى تأتيها مواعد الأشياء، وكبرت ، كبر معها سحر الإذلال وشجر الأوامر والنواهي، ترى الدنيا من خرصة
   المزيد ...